|
أحبائى
دعونا ندخل إلى عمق الصوم
ولنترك جانبا المظاهر الخارجية. نحن كبشر ضعفاء جدا جدا أمام محاربات الشيطان وكل
جنوده. وهذا الضعف هو المرض الذى دخل إلى الإنسان عندما أخطأ أبونا آدم فى الفردوس.
إذا فنحن فى حاجة إلى طبيب وإلى دواء لنتغلب على هذا المرض. ولكننا
نعرف أن رب المجد هو الطبيب الحقيقى الذى يعرف الداء ومعطى الدواء
مجانا لكل من يطلبه. هنا يمكننا أن نتفهم سر روشتة رب المجد عندما نصحنا بالصوم
والصلاة. هو الطبيب الحقيقى ياأحبائى ونحن كمرضى من حقنا أن نذهب إليه فى أى
وقت ونأخذ الدواء مجانا، ومن حقنا أن نغلظ قلوبنا ونرفض الروشتة والدواء تماما!!
نعم ياأحبائى نحن أحرار.
ولكن هنا لابد من
نسأل أنفسنا عدة أسئلة عاقلة:
لمصلحة من نرفض التعامل
مع الطبيب الحقيقى الذى يعطينا الدواء مجانا؟
ومن الخاسر؟
وكيف نواجه محاربات
الشيطان وأمراض
أرواحنا بدون رب المجد؟
هنا أترك للقراء الرد على هذه
التساؤلات.
ولكن
هنا سيظهر سؤال: إذا
كان الصوم هو أحد الأدوية التى كتبها رب المجد فى روشتته، ونحن نعلم أن محاربات
الشيطان لا تكف 365 يوم فى العام و24 ساعة فى اليوم، فهل هذا يعنى أنه من مصلحتنا
أن نصوم طول العام؟ وكيف يمكن لإنسان أن يفعل هذا إلا
إذا كان من
المتوحدين القديسيين؟
الرد نعم من مصلحتنا أن نصوم طول
العام ولكننى أسارع فأقول إننى لا أتكلم عن الصوم الظاهرى الجسدى كما نفهمه، أى
إنقطاع عن الأطعمة و...و ... لا لست أتكلم عن المظاهر وإنما أقول دعونا ندخل إلى
العمق.
إذا ما هو الهدف من
روشته الطبيب الحقيقى؟
الهدف هو أن ندخل
إلى العمق ونتحد مع رب المجد فى علاقة روحية عميقة حتى يمكننا أن نتغلب على
الشيطان، لأننا بدون رب المجد لانقدر أن نفعل شيئا.
إذا فالصوم الذى يصفه الطبيب
الحقيقى هو صوم روحى عميق قبل أن يكون جسدى.
أى أن الصوم هو أولا وقبل كل شئ جهاد روحى لكى نعيش فى أحضان الله طول العام. وإذا
كانت الكنيسة تذكرنا بسيرة أصوام الأنبياء والرسل وآباء الكنيسة على ممر العصور
فليس معنى هذا أن الصيام هو مجرد تدريبات جسدية إجبارية لإقماع الجسد، وإنما هذه
التدريبات الجسدية هى أحد الوسائل والمدخل للجهاد الروحى والنصرة على
الشيطان.
إسمحوا لى بذكر أحد الحروب
الشيطانية التى تواجه كل البشر، من الصغير إلى الكبير:
ألسنا نحارب دائما بمحبتنا لتعظم المعيشة بغض النظر عن أعمارنا وتعليمنا ودخولنا
وأين نعيش؟ أليس إذا من مصلحتنا أن نصوم طول العام عن هذا
المرض الذى يهدم الأفراد والأسر يمينا وشمالا؟ بالطبع نعم وألف نعم لأن من
يصوم عن تعظم المعيشة يشعر بأنه قد وقف فوق العالم وداس كل شهواته وبالأخص شهوة
الجسد وشهوة العيون. ومن هنا تأتى القناعة وحياة الشكر فتمتلأ النفس والروح صفاء،
وتختفى مشاعر الحقد والحسد والخصام والطمع فى معاملاتنا مع الآخرين وخصوصا فى أمور
الميراث...إلخ، وبالتالى يمكن لهؤلاء الذين داسوا فوق شهوة تعظم المعيشة أن يقتربوا
أكثر وأكثر من الله، فيحل سلام الله الذى يفوق كل عقل فى قلوبهم فينعكس هذا السلام
على المجتمع ككل.
أعتقد أن هذا هو الصوم الحقيقى
وأرجو ألا أكون مخطئا فى مفاهيمى.
لذا أتسائل ماذا
نجنى عندما يهدد ويوبخ البعض الشعب إن لم يصوموا جميع الصيامات جسديا فى الميعاد
بالثانية؟
ولماذا نظن أن هناك
عقوبات سمائية من عدم الصوم الجسدى كطقس الرهبان المتوحدين حتى لمن ليس فى مقدورهم
الصوم؟
ألسنا نؤمن أن الطبيب
الحقيقى لا يعاقب مرضاه وإنما يسعى دائما لتضميد جراحاتهم و علاجهم؟
ولكن بالطبع هناك خسارة روحية
لمن فى طاقته أن يصوم ويتهاون، ولأن الله هو محبة وينبوع المحبة الحقيقية فمن
مصلحتنا أن نستمع إلى نصيحته وندخل إلى عمق الصوم الحقيقى الروحانى طول العام.
والآن كيف نصوم
الصوم الروحانى الغير مرتبط بأنظمة الطعام والعلاقات...إلخ؟
لاشك أن الكتاب المقدس هو المرجع
الذى تتلمذ عليه كل الآباء بدون إستثناء. ومن هنا جاءت خبراتهم مكتوبة لنا عبر
الأجيال. فلنتعلم من خبراتهم مع مراعاة أن بعض النصائح تخص الرهبان فقط ولا تصلح
لمن يعيش فى العالم وخصوصا للمتزوجين.
وفى إعتقادى أن الخطوة الأولى
تبدأ بالنية والعزم على الإمساك بيد رب المجد ليحارب عنا، ومن هنا تبدأ القراءات
والتداريب الروحية والدخول إلى العمق تدريجيا وبحكمة لئلا نعثر. كل حسب الصحه
والعمر والقامة الروحية.
لكن علينا أن نفهم أننا لا نستطيع
الثبات فى جهادنا الروحى بدون أن نتناول من الأسرار المقدسة.
نعم لا يمكن لأى إنسان أن يتغلب على الشيطان بدون رب المجد من خلال سر الإفخارستيا.
لقد إمتنع الكثيرين عن ممارسة هذا السر الفائق العظمة، ونتيجة لهذا ضعفت
الروحانيات والأخلاق، وبالتالى بدأنا نسمع عن أخبار الجرائم المختلفة والإرتداد
والإنقسامات العائلية ...إلخ كما لم نسمع من قبل.
لهذا أترجى من الكنيسة أن لاتتزمت
وتتشدد فوق المعقول فى الشروط المطلوبة للتقدم من الأسرار المقدسة من جهة الأصوام
الجسدية إلى الدرجة أن البعض ينظر إلى هذه الشروط كأمور يستحيل تنفيذها إلا للرهبان
القديسيين، والنتيجة أن الكثيرين يحجمون عن التناول، ونتيجة لذلك فلابد وأن تضعف
الكنيسة مع مرور الوقت لأننا سننشئ جيل مسيحى بالإسم تماما كما حدث مع كنائس الغرب. هنا أسرع وأقول حاشا لى أن أطالب بالتهاون فى هذا السر المقدس لأن كل من يأكل
جسد الرب المقدس ويشرب من دمه الذكى بدون إستحقاق فهو بدون أدنى شك ينال دينونة.
كل ما أتمناه هو مزيد من الفهم والرأفة بمن هم فى أشد الحاجة إلى الرحمة لا أكثر
ولا أقل. كمثال مرضى السكر، من المعروف أنهم لو تأخروا عن أخذ الطعام والدواء فى
الميعاد فمن الممكن أن يصابوا بمضاعفات قد تصل بهم لحافة الخطر. هنا أذكر أن هناك
كهنة كثيريين رحماء مع
المحتاجين للرحمة، فلنصلى لكى
ما يكثر الله من أمثالهم ولكى ما يعطى الله للجميع فهما للظروف القاسية التى تمر
بها البشرية كلها هذه الأيام وحاجتنا القصوى لتشجيع الكنيسة أبنائها بأهمية
الإرتباط برب المجد من خلال سر الإفخارستيا ليقودنا فى طريق البنيان الروحى.
ثم أتسائل:
ما الحكمة من الإصرار على قواعد جامدة للصوم الجسدى نعلنها للجميع بغض النظر عن
أعمارهم وظروفهم وصحتهم؟ ومن يريد التخفيف فعليه أن يأخذ الإذن والحل من الكاهن
المثقل بأعباء تفوق طاقة البشر؟؟؟ بالإضافة أن البعض قد يخجل من مصارحة الكاهن فى
أمر كهذا ولهذا يمتنع عن التناول، ومرة ثانية من الخاسر ولمصلحة من؟
ألسنا بهذا نصر على
بقاء الشعب فى مرحلة الطفولة الروحية؟
ألم يوبخ معلمنا القديس
بولس الرسول شعب غلاطية على طفولتهم الروحية لتمسكهم بالجسديات ودعاهم للنضج الروحى
بعيدا عن الجسديات؟
هنا
أقترح:
لماذا لا تضع الكنيسة إرشادات وتوجيهات عامة للصوم الروحى والجسدى؟ ولا أقول
قوانين!!! كمثال:
الأطفال تحت سن 8 سنوات ينصح بأن
يكون صومهم الروحى والجسدى كالآتى......
الأحداث تحت سن 13سنة ينصح بأن يكون
صومهم الروحى والجسدى كالآتى......
الطلبة تحت سن ينصح بأن يكون صومهم
الروحى والجسدى كالآتى......
الطلبة وبالأخص طلبة الشهادات تحت سن
18سنة ينصح بأن يكون صومهم الروحى والجسدى أثناء فترة الإمتحانات كالآتى......
طلبة الجامعات ينصح بأن يكون صومهم
الروحى والجسدى كالآتى......
طلبة الجامعات ينصح بأن يكون صومهم
الروحى والجسدى أثناء فترة الإمتحانات كالآتى......
الحرفيين وأصحاب الأعمال الشاقة ينصح
بأن يكون صومهم الروحى والجسدى كالآتى......
المتزوجين حديثا ينصح بأن يكون صومهم
الروحى والجسدى كالآتى.......وهكذا.
و بالنسبة للمحاربين جسديا .........
هنا يجب مراعاة نصائح القديس بولس الرسول لئلا يجربهم المجرب.
أما بالنسبة للمرضى
فلنترك نظام الصوم الجسدى بينهم وبين الطبيب المعالج أو بين ضمائرهم لمن ليس فى
مقدورهم زيارة الطبيب دون أى إستفسارات لأن الله هو فاحص القلوب.
أخيرا ليتنا نتأمل طول العام فى
المعانى الروحية بالإضافة إلى التفسير الحرفى لما جاء بسفر أشعياء النبى.
"6أَلَيْسَ هذا
صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ وإطْلاقَ
الْمَسْحُوقِينَ أحْرَارًا وقَطْعَ كُلِّ نِيرٍٍ. 7ألَيْسَ أنْ تُكْسِرَ للجَائِعِ
خُبْزَكَ وأنْ تُدْخِلَ المَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إلىَ بَيْتِكَ. إذا رَأيْتَ
عُرْيَانًا أنْ تَكْسُوهُ وَأنْ لا تَتَغَاضَىَ عَنْ لَحْمِكَ"(أش
6:58-7)
أرجو ألا تتضايق الكنيسة من صراحتى
هذه والتى أكتبها بعدما كثرت التساؤلات من الكثيرين.
وليعطنا الرب أن نصوم طول العام صوما
روحيا عن كل ما يجعلنا فريسة سهلة لعدو الخير ونصوم الصيامات الجسدية كل حسب طاقته،
ولنسرع إلى الذبيحة المقدسة فى خوف ورعدة ووقار لأنها الدواء الحقيقى لكل أمراض
أرواحنا ونفوسنا وأجسادنا حينئذ نكون قد نلنا فرح السماء ولإلهنا كل مجد وكرامة إلى
الأبد آمين.
بقلم
: نصرى مترى
7
مارس 2008 |