الكتاب المقدس
  

     
   
 

صيام يونان

اليوم الثانى من صوم يونان النبى [ الثلاثاء19 فبراير – 11 أمشير ]

قراءات القداس

قــراءات القــداس

كولوسى 1

21 - 29

1 بط 4

3 – 11

 

أع 17

30 – 34

مز 85 : 2 – 3

لو 11 : 29 - 36

 

الرسالة إلى كولوسى 1 : 21 – 29

21 و انتم الذين كنتم قبلا اجنبيين و اعداء في الفكر في الاعمال الشريرة قد صالحكم الان
22 في جسم بشريته بالموت ليحضركم قديسين و بلا لوم و لا شكوى امامه
23 ان ثبتم على الايمان متاسسين و راسخين و غير منتقلين عن رجاء الانجيل الذي سمعتموه المكروز به في كل الخليقة التي تحت السماء الذي صرت انا بولس خادما له
24 الذي الان افرح في الامي لاجلكم و اكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لاجل جسده الذي هو الكنيسة
25 التي صرت انا خادما لها حسب تدبير الله المعطى لي لاجلكم لتتميم كلمة الله
26 السر المكتوم منذ الدهور و منذ الاجيال لكنه الان قد اظهر لقديسيه
27 الذين اراد الله ان يعرفهم ما هو غنى مجد هذا السر في الامم الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد
28 الذي ننادي به منذرين كل انسان و معلمين كل انسان بكل حكمة لكي نحضر كل انسان كاملا في المسيح يسوع
29 الامر الذي لاجله اتعب ايضا مجاهدا بحسب عمله الذي يعمل في بقوة

+       +       + 

"وأنتم الذين كنتم قبلا أجنبيين،

وأعداء في الفكر في الأعمال الشريرة،

قد صالحكم الآن" [21].

إذ بسط السيد المسيح ذراعيه على الصليب ضمّ في أحضانه كل من يؤمن به من كل الأمم والشعوب، ليحملهم معًا بروح الحب إلى حضن الآب. لهذا يقول الرسول: "لستم إذًا غرباء ونزلاء، بل رعيّة مع القدّيسين" (أف2: 19).

+ بقوله:"أعداء في الفكر" يوضح الرسول بولس أن العداوة التي من جانبهم نحو الله لم تكن عن ضرورة أو ألزام، إنما كانت "في الفكر" وعدم الرغبة في العودة لله.

القديس يوحنا ذهبي الفم

+ إذ يستدعي عطايا الله للأمم يظهر بولس كم هم مدينون بكل تقدير لنعمة الله. فقد كانوا أعداء مشورته التي بها قرر أن يفتقد الجنس البشري خلال عبده موسى. لم يستلموا تعليمه وقوته بل عبدوا آلهتهم ومارسوا أعمالهم الشريرة. عبدوا الأعمال التي هم صانعوها.

 

ب. يؤسّسنا في برّه.

"في جسم بشريته بالموت،

ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه" [22].

إذ أحضرنا إليه كأعضاء في جسده، حملنا سماته، فصرنا به قديّسين وبلا لوم، لنا حق الوجود أمام العرش الإلهي دون قيام شكوى علينا.

+ مرة أخرى يشير إلى الصليب، ويقدم نفعًا آخر... يقول بموته "يحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه". بالحق ليس فقط ينقذنا من الخطايا، بل ويجعلنا مزكين. احتمل هذا كله ليس فقط لينقذنا من الشرور، وإنما لكي ننال مكافآت، وذلك كمن لا يحرر مجرمًا من العقوبة فحسب، بل ويقدم له كرامة. أنه يضمكم إلى الذين ليس فقط لم يخطئوا بل بالحري الذين صنعوا برًا عظيمًا بحق. أنه يهبكم القداسة أمامه وتكونوا غير ملومين.

القديس يوحنا ذهبي الفم

+ إذ أراد الرسول في رسالته إلى أهل كولوسي أن يظهر أن جسم المسيح هو جسدي وليس روحي مادته أثيريّة، قال بطريقة لها مغزاها: "وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيّين وأعداء في الفكر في الأعمال الشريرة قد صالحكم في جسم بشريّته بالموت". مرّة أخرى في نفس الرسالة يقول: "وبه أيضًا ختنتم ختانًا غير مصنوع بيد بخلع جسم الجسد" (راجع كو 2: 11).

القديس جيروم

+ في المسيح إذ نزع موتنا بعطيّة الخلود... حتى أن كل عمل مستقيم صنعه يُحوى في الوعود التي تُعلن مقدمًا عن التجديد المقبل في وقت مقبل.

ثيؤدور أسقف المصيصة

"إن ثبتم على الإيمان،

متأسسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل الذي سمعتموه،

المكروز به في كل الخليقة

التي تحت السماء،

الذي صرت أنا بولس خادما له" [23].

يقف القديس يوحنا ذهبي الفم في دهشة أمام هذه العبارة الرسولية الرائعة. فإذ يتمتع الإنسان بموت المسيح على الصليب يصير كمن في سفينة لا تستطيع رياح العالم أن تهزها، بل تكون متأسسة وراسخة وغير متزعزعة (غير منتقلين)، هذه السفينة حاملة بضائع إلهية فائقة منها الإيمان "ثبتم في الإيمان" والرجاء في الإنجيل.

+ ما هو رجاء الإنجيل إلا المسيح؟ فإنه هو سلامنا، الذي يعمل كل هذه الأمور...ومن لا يؤمن بالمسيح يفقد كل شيءٍ.

القديس يوحنا ذهبي الفم

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم عن مدى ارتباط هذه العبارات بالحديث السابق، وهل يفتخر بأنه يتألم لأجلهم. ويجيب أنه يوجد ارتباط قوي مع الحديث السابق، حيث أبرز الرسول أن السيد المسيح وحده دون الملائكة هو الذي يقوم بالمصالحة بدمه على الصليب، وأن بولس نفسه كرسول لا دور له، لأنه ما يتألم به إنما هي آلام المسيح العامل فيه وبه. يقول: [أنظروا كيف يربطنا (المسيح) به، لماذا تجعلون من الملائكة وسطاء (للمصالحة مع الآب)؟... يقول: "صرت أنا خادمًا"، فلماذا تًدخلون الملائكة؟ "أنا خادم". لقد أظهر أنه ليس بشيء سوى أنه خادم.]

ج. يهبنا الفرح وسط الآلام

"الذي الآن افرح في آلامي لأجلكم،

وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي،

لأجل جسده الذي هو الكنيسة" [24].

يعلن القدّيس بولس شوقه نحو تكميل آلام المسيح، ليست آلامه الكفّاريّة هذه التي لا يشاركه فيها كائن ما، إذ اجتاز المعصرة وحده، هذه التي لا يمكن أن يقدّمها إلا من كان بلا خطية ما، قادر أن يقدّمها ذبيحة كفّاريّة عن العالم كله. إنّما هي آلام لامتداد ملكوت الله، يحتملها السيد المسيح الساكن في حياة خدّامه وشعبه بكونها آلام هو. هذا ما أوضحه السيد المسيح نفسه لشاول الطرسوسي، حين قال له: "لماذا تضطهدني؟" (أع9: 4). فما وُجّه من اضطهاد ضد المؤمنين حسبه السيد موجّه ضدّه شخصيًّا.

كان الرسول بولس يتهلّل بالآلام لأنها شركة في آلام المسيح، وأيضًا لأنها ضروريّة لبنيان الكنيسة. إنها هبة إلهيّة تقدّم للخدّام كما للشعب: "لأنه قد وُهب لكم... لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضًا أن تتألّموا لأجله، إذ لكم الجهاد عينه الذي رأيتموه فيّ، والآن تسمعون فيّ" (في1: 29-30).

لم يشعر في آلامه من أجل الكنيسة أنه متفضّل على الشعب بهذا، إنّما يحسبها أمرًا لازمًا وضرورة يلتزم بها إذ يحسب نفسه عبدًا لمؤمنين: "فإنّنا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع ربًا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع" (2كو4: 5).

+ جسده الآن هو الكنيسة، وقليلون الذين يلمسونها، وكثيرون يضيقون عليها ويزحمونها (لو 8: 45)، فبكونكم أبناء لها قد سمعتم أن جسد المسيح هو الكنيسة، وأيضًا: "وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" (1 كو 12: 27). إن كنا جسده فإن ما يتحمّله جسده في الزحام تتحمّله الكنيسة الآن. كثيرون يضيقون عليها ويزحمونها، وقليلون هم الذين يلمسونها. الجسد يضغط عليها، والإيمان يلمسها. أنصحكم أن ترفعوا أعينكم، يا من لكم العيون التي ترون بها، لأن أمامكم أمورًا تُرى. ارفعوا أعين الإيمان. المسوا هدب ثوبه، فإن هذا يكفي ليهبكم الصحة.

القديس أغسطينوس

+ إني أومن هكذا أن ما أتألم به فهو من أجله، وليس فقط أتألم، وإنما أفرح في الألم، متطلعًا إلى الرجاء العتيد، وأنا لا أتألم من أجل نفسي وإنما من أجلكم.

القديس يوحنا ذهبي الفم

+ كيف هذا؟ لأنه لكي أكرز لكم يلزمني أن أتألم. حيث أن المسيح هو رأس الجسد، تتولّد المتاعب خلال كلمة الحق للذين هم في الكنيسة. هذه تُدعى طبيعيًا آلام المسيح.

+ يملأ (يكمل) بولس آلام المسيح بمعنى أنه يحتمل الآلام لكي يكرز بالخلاص للأمم.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

+ يعترف بولس أنه يفرح في الآلام التي يحتملها، لأنه يرى نموًا في إيمان المؤمنين. هكذا آلامه ليست فراغًا، حيث بما يتألم به يُضاف إلى حياته. إنه يحسب تلك الآلام مرتبطة بآلام المسيح، للذين يتبعون تعليمه.

 

"التي صرت أنا خادما لها،

حسب تدبير الله المعطى لي لأجلكم لتتميم كلمة الله" [25].

إحساس أبوي رائع من جانب الرسول بولس، فإنّه وإن نال كرامة شركة الآلام مع المسيح، فإنّه وهو يتألّم يحسب نفسه خادمًا للشعب، قدّمه الله لهم بتدبيره الفائق لا كصاحب سلطان بل كخادمٍ وعبدٍ لهم. ما يمارسه هو جزء من خطًة الله من نحوهم، فهو لا يتألّم لأنّه أفضل منهم أو أقدر منهم على احتمال الألم، وإنّما بتدبير الله الذي يحبّهم.

في إسهاب يعلق القديس الذهبي الفم على هذه العبارة مظهرًا أن ما يمارسه الرسول من خدمة للأمم ليس من فكره الخاص، ولا بفضلٍ منه، ولا حدث فجأة، لكنها أمور كانت في خطة الله، أعلنت وتحققت في الوقت المعين.

د. يكشف لنا السرّ المكتوم

"السرّ المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال،

لكنه الآن قد أُظهر لقديسيه" [26].

خلال الألم انكشف له السرّ المحتجب منذ الدهور، سرّ حب الله الفائق لخلاص العالم كله. هذا السرّ كان محتجبًا ومخفيًا حتى عن السمائيّين، فلم يكن ممكنًا لطغمة ما سماويّة مهما سمت أن تدركه أو تتخيّل مدى حب الله الفائق للإنسان. هذا السرّ اُظهر لقدّيسيه [26]، حيث رأوا ولمسوا عمل نعمة الله في حياة الأمم حين آمنوا بالخلاص. فصار هذا السرّ هو موضوع شهادة الكل وكرازتهم ليتمتّع البشر بالمجد المُعدّ لهم [27]. بهذا تعرف الرؤساء والسلاطين في السماويّات عليه بواسطة الكنيسة (أف 3: 10).

+ إذ تحدث بما بلغنا إليه، مظهرًا رأفات الله والكرامة بعظمة الأمور الموهوبة، قدم اعتبارًا آخر وهو علو هذه الأمور حتى أننا لا نجد أمامنا من يقدر أن يعرفه (المسيح). وذلك كما قال في الرسالة إلى أهل أفسس أنه ولا الملائكة ولا الرئاسات أو أيه قوة أخرى مخلوقة تستطيع ذلك، إنما ابن الله وحده يعرف ذلك (أف 5:3، 10،9).

+ إلى الآن لا يزل هذا السرّ مكتومًا حيث أعلن لقديسيه وحدهم.

القديس يوحنا ذهبي الفم

"الذين أراد الله أن يعرفهم

ما هو غنى مجد هذا السرّ في الأمم،

الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد" [27].

وسط آلامه يعلن السيد المسيح غنى مجده الفائق ورحمته المقدّمة للأمم، المنسكبة على الجميع بلا تمييز بين يهودي وأممي، دون أدنى استحقاق من جانب الإنسان.

بقوله "المسيح فيكم" يُعلن الرسول لهم أنّه أقرب إلينا من أيّ كائن سماوي، فمع كونه خالق السمائيّين، إلاّ أنّه في داخلنا، ليس ببعيدٍ عنّا، نلتقي معه مباشرة دون حاجة إلى وساطة أيونات كما ادّعى الغنوسيّين.

هو فينا يهبنا كل شيء، هو "رجاء المجد"، فيه نتمتّع بعربون الأمجاد السماويّة. هو حكمتنا وحياتنا ورجاؤنا. فيه ندرك ما نعيشه، إنّنا وسط آلام الصلب معه ممجّدون فيه!

+ "غنى مجد هذا السرّ في الأمم". فإنه قد صار ظاهرًا بالأكثر بين الأمم، حيث يقول في موضع آخر: "وأما الأمم فمجدوا الله من أجل الرحمة" (رو 9:15) فإن عظمة مجد هذا السر قد ظهرت بين آخرين أيضًا لكن بالأكثر في هؤلاء. فحدث فجأة تحول الذين كانوا أكثر جمودًَا من الحجارة إلى كرامة الملائكة. وباختصار في بساطة بالكلمات والإيمان دون متاعب ظهر السر وغناه. وذلك كما لو أخذ انسان كلبًا يموت جوعًا ومملوء جربًا في بشاعة ورائحته كريهة وجعله دفعة واحدة إنسانًا لكي يحتل العرش. كانوا قبلاً على الأرض، لكنهم تعلموا أنهم هم أنفسهم أفضل من السماء والشمس وأن العالم في خدمتهم. لقد كانوا أسرى إبليس وفجأة صاروا فوق رأسه، يأمرونه ويجلدونه. تحولوا من أسرى وعبيد للشيطان إلى جسد سيد الملائكة ورؤساء الملائكة. تحولوا من عدم معرفتهم لله إلى أن صاروا فجأة شركاء حتى في عرش الله. أتريدون أن تروا الخطوات العديدة التي وثبوها؟

أولاً: تعلموا أن الحجارة ليست آلهة

ثانيًا: أنها ليست فقط ليست آلهة بل وأقل من البشر.

ثالثًا: أنها أقل من الحيوانات غير العاقلة.

رابعًا: أنها أقل من النباتات.

خامسًا: أنهم سقطوا في المبالغات.

إذ أدركوا هذا كما إلى شيءٍ من العمق كان يلزمهم أن يعلموا أن رب الكل هو الله، وله وحده ينبغي العبادة. وأن الحياة الفاضلة أمر صالح، وأن الموت الحاضر ليس موتًا، ولا الحياة الحاضرة هى حياة. التزموا أن يعلموا أن ذاك الذي هو فوق الكل والذي يحكم الملائكة والسلاطين وكل القوات الأخرى نزل وصار إنسانًا وتألم كثيرًا وقام وصعد.

هذا كله هو السر، وضعه معًا ومدحه قائلاً: "الذي هو المسيح فيكم". فإن كان فيكم، لماذا تطلبون الملائكة؟

القديس يوحنا ذهبي الفم

هـ. يحضرنا كاملين فيه

"الذي ننادي به منذرين كل إنسانٍ،

ومعلمين كل إنسان بكل حكمة،

لكي نحضر كل إنسان كاملاً،

في المسيح يسوع" [28].

لم تقف رسالة القدّيس بولس والعاملين معه عند الكرازة والشهادة للسد المسيح كمخلّصٍ للعالم، بل تمتد أيضًا إلى التعليم بالحكمة الكائنة في المسيح يسوع، هذه التي لا أحد من حكماء هذا الدهر أن يبلغ إليها، لأنها ليست حكمة فلسفيًّة نظريّة، لكنّها قادرة أن تحمل المؤمن إلى الحياة الكاملة الفائقة، الشركة في الطبيعة الإلهيّة. وهي حكمة لا تقتصر على فئة معيّنة كالفلاسفة وتلاميذهم، وإنّما مقدّمة لكل إنسانٍ ليفتح بالروح القدس قلبه ويغرف من الحب الإلهي، بقبوله "المسيح الذي هو حكمة الله هو للجميع" (1كو1: 24، 31). هذا القبول حركة دائمة لا تتوقّف لعلّ المؤمن يبلغ إلى الإنسان الكامل، أيقونة المسيح التي بلا عيب، فيعبر الإنسان من الطفولة إلى النضوج الكامل.

+ نحن وليس الملائكة نعلم وننذر، دون غطرسة ولا قهر، فإنه هذا أيضًا من لطف الله للبشر إلا نحضرهم له كمن هو طاغية. يقول: "معلمين" و"منذرين" وذلك كأبٍ أكثر منه معلم.

القديس يوحنا ذهبي الفم

+ "نحضر كل إنسان كاملاً في المسيح يسوع"، وليس في الناموس، ولا في الملائكة، لأن هذا ليس كمالاً.

"في المسيح"، أي في معرفة المسيح، لأن من يعرف ما يفعله المسيح تصير له أفكار أعلى ممن يكتفي بالملائكة.

القديس يوحنا ذهبي الفم

"الأمر الذي لأجله أتعب أيضًا،

مجاهدا بحسب عمله الذي يعمل فيّ بقوة" [29].

+ إن كنت أتعب لأجلكم، لاحظوا كم يلزمكم أن تتعبوا أنتم بالأكثر. مرة أخرى لكي يظهر أن هذا من عند الله يقول: "حسب عمله الذي يعمل فيّ بقوة". إنه يظهر أنه عمل الله.

القديس يوحنا ذهبي الفم

من وحي كو 1

لأدخل بك إلى الأعماق!

+ بك وحدك أستطيع أن أدخل إلى أعماق الحب.

مع بولس الرسول يتسع قلبي بالحب.

أحب كل البشرية، لأنك محب للبشر!

أقدم لك مع كل نسمة تشكرات لا تنقطع، من اجل عملك مع البشرية.

وأقدم صرخات لا تتوقف،

مترجيًا قيام الكل وخلاصهم بك.

+ بك أدخل إلى الأعماق،

أتلامس معك، فأتعرف على الآب خلالك.

فأنت صورة الآب غير المنظور.

صورة الوحدة معه في ذات جوهره.

أراك فأراه.

أتعرف عليك، فامتلئ من كنوز الحكمة والفهم.

+ بك أتعرف عليك،

يا خالق المسكونة وضابط الكل،

والمعتني بكل صغيرة وكبيرة.

+ أدخل إلى سرّ كنيستك،

فأكتشف قيادتك لها، يا أيها الرأس المحب لجسده.

تهبها روحك القدس، ليهيئها للقاء الأبدي معك.

تصير بالحق العروس السماوية التي بلا عيب ولا لوم.

يصير لها حق الشركة في المجد، لأنها جسدك المقدس.

تتمتع مع كل لحظة بملء أكثر فأكثر،

حتى تصير أيقونتك الحية.

+ بدمك صالحتنا مع الآب.

وبآلامك حولت آلامنا إلى أمجاد.

بصليبك كشفت السرّ الأزلي المكتوم.

بقيامتك دخلت بنا إلى الكمال.

+ هب لي أن تنطلق بي من عمق إلى عمق!

فإنني كلما التقيت بك،

يلتهب عطشي إليك!

+       +       +

1 بط 4 : 3 – 11

"لأن زمان الحياة الذي مضى يكفينا

لنكون قد عملنا إرادة الأمم،

سالكين في الدعارة والشهوات وإدمان الخمر

والبطر والمنادمات وعبادة الأوثان المحرمة" [3].

يوبخنا الرسول في لطف بأن أيام غربتنا قليلة. يكفي ما مضى أننا خسرناه بسبب سلوكنا حسب إرادة الأمم في الشرور السابق ذكرها. أما الآن فَعِوَض الذات البشرية بكل أفكارها وشهواتها، صار لنا المسيح المصلوب عاملاً فينا نحيا به. صار لنا به حياة النصرة والغلبة على الشهوات المحرمة.

"الأمر الذي فيه يستغربون أنكم لستم تركضون معهم إلى فيض هذه الخلاعة عينها مجدفين" [4].

يقف الوثنيون حائرين كيف خلعنا أعمال الإنسان العتيق فلا نسلك مثلهم منجذبين إلى فيض الخلاعة بتهور. وفي حيرتهم هذه يجدفون بأن ينسبوا إلى المؤمنين الكبت والحرمان والجهل، دون أن يدركوا مقدار السعادة التي نحن فيها.

الإنسان الشهواني يظن بل ويؤكد داخل نفسه إنه لا يمكن أن يوجد إنسان طاهر، إذ يُسقط نفسه على البشرية فيراها ضعيفة هزيلة مثله. وإن رأى من كان طاهرًا ظن أنه مرائي ومخادع. وبنفس الطريقة يتعجب المؤمن المجاهد - المرتبط بصليب ربنا عمليًا - كيف لا يأتي الناس ويذوقوا عذوبة الحياة الطاهرة المقدسة.

أخيرًا بعدما تحدث الرسول عن فاعلية آلام الرب في حياة المؤمن عاد ليشجع المؤمن في تحمله للألم برفع نظره إلى الدينونة.

الآلام والدينونة

"الذين سوف يعطون حسابًا للذي هو على استعداد أن يدين الأحياء والأموات.

فإنه لأجل هذا بشر الموتى أيضًا

لكي يدانوا حسب الناس بالجسد،

ولكن ليحيوا حسب الله بالروح.

وإنما نهاية كل شيء قد اقتربت" [5-6].

يبشر الرسول المتألمين قائلاً: "الذي هو على استعداد أن يدين"، وكأن الرب قد تهيأ ليدين... لقد اقتربت نهاية كل شيء. فالدينونة على الأبواب فكيف نكف عن احتمال الآلام بفرح أو نضطرب من المجدفين علينا؟

إنه يدين الأحياء والأموات، أي يدين القديسين الأحياء بالروح ويحملون أيضًا جسدهم في عدم فساد وعدم موت، كما يدين الأموات الذين أماتت الخطية نفوسهم واستكانوا لذلك. أيضًا يدين الأحياء الذين لم ينتقلوا إلى يوم مجيئه فإنهم في لحظة يتغيرون، كما لا ينسى الذين سبقوا فماتوا بالجسد. لا يفلت من بين يديه أحد الكل ينال جزاءه كبيرهم وصغيرهم مند خلقة آدم إلى آخر الدهور.

من أجل هذا بشر الديان، ربنا يسوع، الموتى... ومن هم هؤلاء الموتى؟

1. ربما قُصد بهم الذين انتقلوا من العالم حاملين آلامهم وأتعابهم من أجل الإيمان، هؤلاء الذين دانهم الناس حسب الجسد وحكموا عليهم أنهم مستحقون الموت مع إنهم بالروح هم أحياء في نظر الله.

2. إن الديان بشر الموتى بالروح (مت ٨: ٢٢ و يو ٥: ٢٥) أي الأشرار لكي يتوبوا ويقبلوا إدانة الناس لهم مهتمين بأمر واحد أن يحيوا بالروح.

ويقول القديس أغسطينوس: [ليس ما يلزمنا تفسير قول الرسول على أنه يصف ما يحدث في الجحيم (الموتى)، فإن الإنجيل يُبَشَّر به في هذه الحياة للأموات أي غير المؤمنين الأشرار، حتى عندما يؤمنون "يدانوا حسب الناس بالجسد" أي يدانوا بالأحزان الكثيرة وموت الجسد نفسه... ولكنهم يحيوا حسب الله بالروح، حيث كانت أرواحهم ذاتها ميتة عندما كانوا مسجونين في عدم الإيمان والشر.]

وما هي ثمار تأملنا الدائم في مجيء الرب؟

اعتادت الكنيسة الأولى وخاصة بين الرهبان على ممارسة ثلاثة تداريب تعتبر أساسية في حياة المؤمن وخاصة بالنسبة لراغبي الرهبنة وهي:

1. زيارة المدافن.

2. ممارسة "صلاة يسوع"، أو الصلاة الدائمة أو كما يسميها القديس أغسطينوس بالصلاة السهمية. لأنها تصوب ضد الشيطان، ولا يقدر على صدها.

3. تذكر يوم الدينونة ومجيء الرب.

وهنا يقدم لنا الرسول التدريب الثالث كباعثٍ لنا على الآتي:

التعقل والسهر للصلاة

يقول الرسول "فتعقلوا واصحوا للصلوات"، فتَذَكُّر الدينونة يسلخ الإنسان عن شهواته الجسدية فيحيا متعقلاً، أي خاضعًا لعقله أو لذهنه الروحي وليس لجسده وشهواته.

ويُعَرِّف العظيم أنبا أنطونيوس العقلاء بأنهم [من كانت نفوسهم عاقلة، تقدر أن تميز بين ما هو خير وما هو شر ومضر للنفس، ويحرصون بحكمة على ما هو خير ونافع للنفس، ويمارسونه بشكرٍ عظيم لله.]

لِنَصْحْ ولنسهر حتى لا يكون نصيبنا مع تلك التي رآها هرماس إذ نظر النفس الخاملة كعجوز خائرة مسترخية على كرسي عاجزة عن الحركة، فلما سأل عن السبب قيل له [لأن روحكم الآن عجوز قد فقدت قوتها بسبب ضعفاتكم وشكوكم. لقد صارت كالشيوخ الذين فقدوا الأمل في تجديد قوتهم، ولم يعودوا بعد يتوقعون سوى أنهم يغطون في نومهم الأخير، وهكذا ضعفتم بسبب الانشغالات العالمية، وأسلمتم نفوسكم للخمول ولم تلقوا همكم على الله (١ بط ٥: ٧).

محبتنا لإخوتنا

"ولكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة،

لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا" [8].

إن كانت الصلاة الدائمة هي غاية عبادتنا إذ نكون على الدوام في حضن الله، لكن لا نَفْعَ لها ما لم تستند بحبنا لإخوتنا محبة شديدة نابعة من أعماق القلب الداخلية. لأنه بالمحبة تستر أخطاء الغير وعيوبهم، فيستر الله علينا ويغفر خطايانا، ويمتعنا بصلاة هادئة مقبولة لدى الله، وبهذا يزداد اتحادنا بالرب.

يقول القديس إكليمنضس الروماني: [الحب يوحدنا مع الله إذ "المحبة تستر كثرة من الخطايا".]

هذا الحب يبعثه أيضًا التأمل في يوم الدينونة حيث نجد أن الله لا ينسى تعب محبتنا بل كأس ماء بارد نعطيه لا يضيع أجرنا فيه.

وإذ ترتفع أنظارنا إلى الدينونة، نشتهي أن نرى حتى المضايقين لنا كملائكة الله نشترك جميعًا في التسبيح والتمجيد لله، وهذا يبعث فينا حبًا روحيًا عميقًا.

إضافة الغرباء

"كونوا مضيفين بعضكم بعضًا بلا دمدمة" [9].

التأمل في مجيء الرب على السحاب ومناداتنا بأسمائنا لندخل إلى شركة أمجاده، مستضيفًا لنا في أحضانه الأبديّة بفرح وبسرور، يبعث فينا نحن الضعفاء أن نفتح قلوبنا وبيوتنا لأخوتنا الغرباء، فنستضيفهم بلا دمدمة، أي بلا تذمر بل بفرحٍ وبشاشةٍ حقيقيّة.

ومن اهتمام الآباء الرهبان بإضافة الغرباء أنهم كانوا يسمحون لأنفسهم، حتى بالنسبة للنساك المتوحدين، أن يكسروا أصوامهم من أجل الغريب في استضافتهم له، لكي لا يُحرموا من تقديم ذبيحة الحب لله في شخص الغريب.

خدمة الآخرين

"ليكن كل واحدٍبحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعضًا،

كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة.

إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله،

وإن كان يخدم أحد، فكأنه من قوة يمنحها الله،

ليتمجد الله في كل شيء بيسوع المسيح،

الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" [10-11.]

كلما ارتفعت أنظار المؤمن تجاه الأبديّة يُضرِم الموهبة التي نالها من الرب بلا كسل وهنا نلاحظ:

أ. يقول الرسول "ليكن كل واحدٍ، فلا يوجد في الكنيسة كلها إنسان قط بلا موهبة، سواء كان طفلاً أو شيخًا، رجلاً أو امرأة، كاهنًا أو علمانيًا، بتولاً أو أرملاً أو متزوجًا. لأننا جميعًا أعضاء في جسد المسيح، ولا يمكن أن يكون في هذا الجسد عضو بلا عمل.

ب. "بحسب ما أخذ"، أي ليس لعضوٍ فضل فيما له من مواهب. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الله يوزع علينا المواهب بالقدر الذي يرى فيه خلاصنا. فيعطي لإنسان موهبة أقل ليس عن عدم محبة من الله تجاهه، بل لأنه يعلم أنه لا يقدر أن يُضرِم أكثر من ذلك، فلو قدم له ما هو أكثر لصار هذا الإنسان مهملاً. ويعطي الرب لآخر موهبة أكثر ليس لأنه أفضل من أخيه، لكن لأن الله يعلم أنه بهذا القدر يقدر هذا الأخ أن يثابر ويعمل وبدونها يفشل في عمله. هكذا يُنَسِّق صانع الخيرات ضابط الكل حسبما يرى فيه خيرنا وخلاصنا.

ج. "يخدم بها بعضكم بعضًا كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة". أي أعطيت هذه المواهب من يديّ الله لا للمباهاة بها، بل لخدمة الكنيسة والبشريّة كلها.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [في الكنيسة أعضاء كثيرون مختلفون، بعضهم ذوي كرامة الآخرون أقل كرامة. مثال ذلك توجد جوقة من المتبتلين، ومجموعات من الأرامل، وإخوة مرتبطون بزواج مقدس... ومع ذلك فالكل يكمل بعضهم بعضًا... قد تكون موهبة إنسان أقل لكنها ضرورية، فإذا تعطل العضو (عن عمله) تعطلت أعمال كثيرة.]

د. "إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله"، أي أن من وُهِبَ عطية الوعظ فليختفِ في كلمة الله لكي يظهر الله وتختفي كل فلسفة بشريّة.

ه. "وإن كان يخدم أحد، فكأنه من قوة يمنحها الله ليتمجد الله في كل شيء، بيسوع الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين".

وكما يختفي الواعظ والمتكلم في كلمة الله ليُظْهِرها كما هي بلا تنميق ولا تمويه ولا تزيين، هكذا من وُهب عطية الخدمة في أي نوع من أنواع الخدمات، فليعلم أنه يعجز عن الخدمة ما لم يُعطه الرب القوة للتنفيذ. بهذا يتمجد الآب في كل شيء بيسوع المسيح صاحب المجد والسلطان.

وكلمة "آمين" هنا لا تعني ختام الحديث وإنما تعني "ليكن هذا!"

+      +       +            

أع 17 : 30 – 34

"فاللَّه، الآن يأمر جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا،

متغاضيًا عن أزمنة الجهل". [30]

ينادي الرسول بالتوبة عما ارتكبه البشر في أزمنة الجهل، أي ما قبل تعرفهم على الإنجيل. لم يقل أزمنة الشر، حتى لا يتهمهم بالشر، وإنما أزمنة الجهل، لأن ما يرتكبونه ليس عن مقاومة للحق أو كراهية له، وإنما عن جهل له.

"لأنه أقام يومًا هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل،

برجلٍٍ قد عينه،

مقدمًا للجميع إيمانًا،

إذ أقامه من الأموات". [31]

إذ يدعوهم إلى التوبة يوجه أنظارهم إلى الإيمان بالدينونة، وإلى الديان ابن الإنسان الذي أقامه الآب من الأموات، لنقوم فيه ونتمتع بشركة مجده. إنه ليس ديان اليهود وحدهم بل للعالم كله، بكل أممه.

هذا المنهج اتبعه السيد المسيح نفسه. لاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم أن القديس بولس في حديثه ليس فقط مع اليهود بل ومع الأثينيين يبدأ حديثه عن يسوع المسيح من جهة ناسوته ثم يرتفع بهم ليؤكد لهم لاهوته. فكثيرًا ما يكرر القديس يوحنا الذهبي الفم في عظاته على إنجيل القديس يوحنا أن السيد كثيرًا ما كان يؤكد طاعته للآب وأن يتمم مشيئته، وأنه نال منه سلطانًا أن يقيم الموتى الخ. لينتقل بهم إلى إدراك وحدته معه في ذات الطبيعة، وأن له الحياة في ذاته، وأنه ديان المسكونة، فيرفعهم إلى إدراك سرّ لاهوته دون تعثر، إذ هو واحد مع الآب في ذات الطبيعة الإلهية وذات الجوهر. هذا وكأن بأعماله يعلن عن لاهوته بكل وضوح. فإن كان الكلمة الإلهي قد تجسد لأجلنا لكي يحملنا فيه إلى مجده السماوي، لهذا فإن شخصيته ليست موضوع مباحثات، بل موضوع لقاء معه، فنكتشف لاهوته خلال التصاقنا به والتمتع بالشركة معه. فإذ تطلع توما إليه وتلامس مع حبه، وتلاقت عيناه مع عيني سيده صرخ: "ربى وإلهي"، غالبًا قبل أن يلمس جراحاته.

السخرية بالقيامة من الأموات

"ولمّا سمعوا بالقيامة من الأموات كان البعض يستهزئون،

والبعض يقولون:

سنسمع منك عن هذا أيضًا". [32]

ليس بالأمر الغريب أن يسخر الفلاسفة اليونانيون بالاعتقاد بالقيامة من الأموات، خاصة الأبيقوريون الذين يرفضون تمامًا الحياة العتيدة. أما الرواقيون فهم في الغالب الذين طلبوا أن يسمعوا منه عن ذلك.

انتهي الرسول من عظته اللاهوتية في وسط الفلاسفة وهم في شوق لسماع ما هو جديد عليهم، ليكون مادة جدل. لكنهم سرعان ما أدرك الطرفين أنه يحمل فكرًا يناقض المدرستين، فقد اصطدم بكبرياء الرواقيين وعدم إيمان الأبيقوريين بالقيامة من الأموات للنفس أو الجسد.

v ولما سمعوا التعاليم العظيمة السامية لم ينصتوا بل سخروا من القيامة، إذ قيل: "لأن الإنسان الطبيعي لا يقبل أمور الروح" (1 كو 2: 14).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وهكذا خرج بولس من وسطهم". [33]

"ولكن أناسًا التصقوا به،

وآمنوا منهم ديونيسيوس الآريوباغي،

وامرأة اسمها دامرس،

وآخرون معهما". [34]

كان الحصاد قليلاً بالنسبة للثمار في البلاد الأخرى، لكن تعب بولس الرسول لم يضع باطلاً. لقد كسب الرسول الفيلسوف ديوناسيوس الأريوباغي، وامرأة ذات شأن فلسفي وتعليمي، تدعى دامرس، ومعهما آخرين. لقد تحقق الرسول:" إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون، هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" (2 كو 10: 4-5).

كما أن قليلين من الفريسيين آمنوا بالسيد المسيح، هكذا قليلون من الفلاسفة قبلوا الإنجيل، وذلك بسبب تشامخهم وإعتدادهم بذاتهم.

ديونسيوس الأريوباغي: له شهرته في المجلس الذي في آريوس باغوس، كان قاضيًا وسناتور، أحد الذين وقف أمامهم بولس لفحص تعاليمه.

دامرس: يظن البعض إنها زوجة ديونسيوس.

من وحى أعمال 17

هب لي كلمة من لدنك!

v لم يقدم الرسول آيات ومعجزات في تسالونيكي.

لكن جاذبية كلمتك هي أعظم معجزة.

قبل كثيرون بهجة خلاصك.

ووقف الأشرار يقاومون الكلمة!

تهلل البسطاء بقوة صليبك،

وتعثر المتعجرفون فيه.

v في ثلاث أسابيع تأسست كنيسة ناجحة،

وامتطى العدو رجالاً من أهل السوق.

استغل تراخيهم وكسلهم،

فصاروا أداة طيعة في يده،

يجدون مسرتهم في مقاومة إنجيلك.

حسبوا خدامك الكارزين بالسلام خطيرين على الأمن العام!

حسبوا الذين ينادون بالطاعة والخضوع

مثيري فتنة ومتعدين على قوانين الدولة!

ادعوا المناداة بك ملكًا تحطيمًا للسلطان واغتصابًا للحكم!

يبقى عدد الخير يلصق هذه التهم رجالك في كل العصور.

v انطلق المًضطهدون إلى بيرية.

وأثمر الضيق نجاحًا فائقًا.

آمن كثيرون لا بسبب معجزةٍ ما،

وإنما خلال نعمتك العاملة مع حاملي صليبك!

هاجت قوات الظلمة لانتشار النور

وظنت أنها قادرة أن تطفئه.

v دخل بولس الرسول أثينا.

لم تبهره الهياكل والمباني الضخمة،

ولا شغلته مدارس الفلسفة المتنوعة.

لكن نفسه احتدت فيه.

يود أن يتمتع الكل ببهجة الخلاص.

v هب لي الحكمة كما وهبت الرسول بولس.

فبالحب والتشجيع أقتني كل نفس إليك.

استخدم كلمات الفلاسفة شبكة أصطاد بها أصحاب الفكر والفلسفة.

لم يستخف الرسول بثقافتهم،

ولا داهنهم على حساب الحق!

v ضرب الوثنية في جذورها بكلمات أنبيائهم،

وكشف لهم حبك العجيب ورعايتك الفائقة.

v كان الحصاد قليلاً، لكن القلة التي كسبها صارت بركة لكثيرين.

هب لي مع الرسول بولس كلمة وحكمة من لدنك!

+       +       +

إذ هو الصديق السماوي الروحي، لا نقدر إن نتقبله فينا وننعم بصداقته بطريق آخـــــر غير العبادة الروحيَّة الحقيقية:  

لوقا 11 : 29 – 36

29 و فيما كان الجموع مزدحمين ابتدا يقول هذا الجيل شرير يطلب اية و لا تعطى له اية الا اية يونان النبي
30 لانه كما كان يونان اية لاهل نينوى كذلك يكون ابن الانسان ايضا لهذا الجيل
31 ملكة التيمن ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل و تدينهم لانها اتت من اقاصي الارض لتسمع حكمة سليمان و هوذا اعظم من سليمان ههنا
32 رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل و يدينونه لانهم تابوا بمناداة يونان و هوذا اعظم من يونان ههنا
33 ليس احد يوقد سراجا و يضعه في خفية و لا تحت المكيال بل على المنارة لكي ينظر الداخلون النور
34 سراج الجسد هو العين فمتى كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا و متى كانت شريرة فجسدك يكون مظلما
35 انظر اذا لئلا يكون النور الذي فيك ظلمة
36 فان كان جسدك كله نيرا ليس فيه جزء مظلم يكون نيرا كله

الصداقة وآية يونان النبي

"وفيما كان الجموع مزدحمين اِبتدأ يقول:

هذا الجيل شرِّير،

يطلب آية، ولا تُعطى له إلا آية يونان النبي.

لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى،

كذلك يكون ابن الإنسان أيضًا لهذا الجيل.

ملِكة التيْمَنْ ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم،

لأنها أتَتْ من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان،

وهوذا أعظم من سليمان ههنا.

رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه،

لأنهم تابوا بمناداة يونان" [29-33].

لقد طلب قوم منه آية من السماء أما هو فيُقدِّم نفسه لهم آية، معلنًا يونان النبي كرمزٍ لشخصه الذي انطلق من الجوف كما من القبر قائمًا من الأموات (مت 12: 40) وبكرازته أنقذ أهل نينوى الشعب الأممي، وأيضًا سليمان الحكيم الذي اجتذب الأمميَّة ملكة التيْمَنْ من أقاصي الأرض تمثِّل كنيسة الأمم القادمة، لا لتسمع حكمة بل تمارسها. تلتقي مع حكمة الله نفسه. في الرمزين ظهرت كنيسة الأمم واضحة تلتصق برأسها يونان الحقيقي، القائم كما من الجوف، وسليمان الحكيم واهب السلام والحكمة.

يوضِّح القدِّيس كيرلس الكبير في تعليقه على إنجيل لوقا إن الآية ليست عملاً استعراضيًا كما ظن اليهود، فحينما قدَّم لهم موسى قديمًا بعض الآيات كانت هادفة، خاصة للكشف عن خطاياهم من أجل التوبة فعندما طرح العصا على الأرض فصارت حيَّة ثم أمسك بذنَبها عادت عصا، إنما أشار بالعصا إلى اليهود الذين طُرحوا بين المصريِّين، فصاروا كالحيَّة لتمثلهم بعاداتهم ورجاساتهم وبُعدهم عن الله، وكأنهم قد سقطوا من يديه كما طُرحت العصا من يديّ موسى، لكن إذ أمسك الله بهم كما أمسك موسى بذَنَب الحيَّة عادوا إلى حالهم الأول، إذ صارت الحيَّة عصا، مغروسة في الفردوس، إذ دعوا لمعرفة الله الحقيقية، واغتنوا بالشريعة كطريق للحياة الفاضلة.

هكذا تكرَّر الأمر عندما أدخل يده في عِبِّه ثم أخرجها، وإذ هي برصاء مثل الثلج. ثم عاد فردَّها إلى عِبِّه لينزع عنها البرص، فإن هذه الآية لم تُصنع بلا هدف، إنما تشير إلى إسرائيل الذي كان تحت رعاية الله وحمايته حين كان متمسِّكًا بعادات آبائه سالكًا بروح الحياة الفاضلة اللائقة به، والتي له في إبراهيم وإسحق ويعقوب. فكان كمن في حضن (عِبّْ) الله، لكن إذ خرج عن ذلك كيَدّْ موسى، أي خرج عن حياة آبائه الإيمانيَّة الفاضلة أُصيب بالبرص، أي النجاسة. وإذ عاد فقبل العودة إلى حضن الله وتحت رعايته الإلهيَّة نُزع عنه دنس المصريِّين.

كان يليق باليهود كما يقول القدِّيس كيرلس الكبير أن يدركوا خطأهم، لكنهم اِنشغلوا بطلب آية من السماء بمكرٍ، إذ يقول:

[نبع طلبهم عن مكرٍ، فلم يُستجاب لهم، كقول الكتاب: "يطلبني الأشرار ولا يجدونني" (راجع هو 5: 6)... لقد قال لهم أنه لا تعطى لهم سوى آية يونان التي تعني آلام الصليب والقيامة من الأموات، إذ يقول: "لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام... لم يقدِّم آية لليهود لكنه قدم هذه الآلام الضروريَّة لخلاص العالم... في حديثه معهم قال: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمة" (يو 2: 19). فإن إبادته للموت وإصلاحه الفساد بالقيامة من الأموات هو علامة عظيمة على قوَّة الكلمة المتجسِّد وسلطانه الإلهي، وبرهانًا كافيًا كما أظن في حكم الناس الجادِّين. لكنهم رشوا عسكر بيلاطس بمبلغٍ كبيرٍ من المال ليقولوا أن "تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه" (مت 28: 13). لقد كانت (قيامته) علامة ليست بهيِّنة، بل كافية لإقناع سكان الأرض كلها إن المسيح هو الله، وأنه تألَّم بالجسد باختياره، وقام ثانية. أمر قيود الموت أن ترحل، والفساد أن يُطرح خارجًا، لكن اليهود لم يؤمنوا حتى بهذا، لذلك قيل عنهم بحق: "ملِكة التيْمَنْ ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه"... هذه المرأة مع أنها من المتبربرين، لكنها طلبت بشغفٍ أن تسمع سليمان، وقد تحمَّلت السفر لمسافة طويلة بهذا الهدف لكي تسمع حكمته بخصوص طبيعة الأمور المنظورة والحيوانات والنباتات. أما أنتم فحاضر بينكم "الحكمة" ذاته الذي جاء إليكم ليحدِّثكم عن الأمور السماويَّة غير المنظورة، مؤكِّدًا ما يقوله بالأعمال والعجائب وإذا بكم تتركون الكلمة وتجتازون بغير مبالاة طبيعة تعاليمه العجيبة.]

ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [بعد إن حكم على شعب اليهود، ظهر بوضوح سرّ الكنيسة: شعب نينوى يتوب (يونان 3: 5)، وتسعى ملكة الجنوب لتتعلَّم الحكمة (1 مل 10: 1)، فتأتي من أقصى الأرض لتتعلَّم حكمة سليمان، صاحب السلام. إنها ملكة لمملكة غير منقسمة تتكوَّن من شعوب مختلفة متباعدة مثل جسدٍ واحدٍ، كالمسيح والكنيسة (أف 5: 32). لقد تحقَّق الآن ذلك ليس خلال رمز، بل بالحقيقة تم ذلك. قديمًا كان سليمان رمزًا، أما هنا فنجد المسيح قد جاء متجسِّدًا، وتظهر الكنيسة من جانبين: ترك الخطيَّة وهدمها خلال التوبة (كأهل نينوى)، وطلب الحكمة (كملكة سبأ).]

العين البسيطة

"ليس أحد يوقد سراجًا ويضعه في خفية،

ولا تحت المكيال،

بل على المنارة لكي ينظر الداخلون النور.

سراج الجسد هو العين،

فمتى كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيِّرًا،

ومتى كانت شرِّيرة، فجسدك يكون مظلمًا.

اُنظر اذًا لئلاَّ يكون النور الذي فيك ظلمة.

فإن كان جسدك كله نيرًا ليس فيه جزء مظلم،

يكون نيرًا كله، كما حينما يضيء لك السراج بلَمعانه" [33-36].

هذه العبارات الإلهيَّة كما أظن تكشف عن أساس "الصداقة الإلهيَّة"، فإن كان الله هو "نور"، يليق بنا أن نكون السراج الحامل للنور، الذي لا يختفي عنه عمل الله النوراني، بل يكون حاملاً له وشاهدًا لفاعليَّته. في صداقتنا نلتقي بالنور ليس تحت مكيال معين ولا بمقاييس بشريَّة، وإنما نُحمل على الحق الذي يرفعنا إلى فوق، فلا نخضع للزمن ولا للمكان، بل نحيا كملائكة الله السمائيِّين، نحلِّق في العلويَّات. صداقتنا هي "شركة في النور الإلهي"، أو "حياة علويَّة ملائكيَّة".

إن كنَّا نتساءل: كيف نصير سراجًا منيرًا، نحمل شهادة حق على منارة الحياة السماويَّة؟ يجيب الرب: "سراج الجسد هو العين". كأنه يُعلِّق التزامنا بالعين البسيطة لكي نقدر أن نعاين الرب البسيط. لتكن لنا البصيرة النقيَّة، التي لا تحمل تعقيدًا بل في بساطتها تحمل هدفًا واحدًا هو معاينة الرب. بهذا يرى القلب، الذي هو عين النفس وبصيرتها، الله متجلِّيًا في كل شيء، فتستنير النفس ويتقدَّس الجسد، ويصير الإنسان بكليَّته مقدِسًا للرب، وسراجًا يحمل النور الإلهي. وقد سبق لنا الحديث عن هذه العين البسيطة المقدَّسة بالله البسيط في دراستنا لإنجيل متى 6: 22-23.

يحدِّثنا القدِّيس أمبروسيوس عن السراج المنير بكونه إيماننا الإنجيلي أو إيماننا بكلمة الله التي هي النور الذي يكشف لنا الطريق، وبه نبحث عن الدرهم المفقود، إذ يقول:

[السراج هو الإيمان، كما هو مكتوب: "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي" (مز 119: 105).

كلمة الله هو موضوع إيماننا، وهو النور الحقيقي الذي يضيء لكل إنسان آتيًا إلى العالم" (يو 1: 9)، هذا السراج لا يمكن أن ينير ما لم نستمد نوره من مصدر آخر (السيد المسيح).

السراج الذي نوقده هو قوَّة أرواحنا وعواطفنا، به نجد الدرهم المفقود (لو 15: 8).

لا يليق بالإنسان أن يضع هذا الإيمان (السراج) تحت مكيال الناموس، لأن الناموس محدود أما النعمة فبلا حدود، الناموس يقدِّم ظلاً أما النعمة فتنير. ليته لا يغلق أحد إيمانه في حدود مكيال الناموس، بل يأتي إلى الكنيسة فتزيِّنه نعمة الرب.

ليسلِّط رئيس الكهنة النور على عظائم اللاهوت الملوكي، فلا يخنقها ظل الناموس. قديمًا كان رئيس الكهنة يوقد الأسرجة حسب الطقوس اليهوديَّة بانتظام صباحًا ومساءً، لكنها قد انطفأت، لأنها وُضعت تحت مكيال الناموس، واختفت أورشليم الأرضيَّة التي قتلت الأنبياء (مت 23: 37)، أما أورشليم السماويَّة فقبلت إيماننا ووضعته على أعلى قمم الجبال أي على المسيح، لذلك أقول أنه لا يمكن للكنيسة أن تخفيها الظلمة ولا ظلال هذا العالم إنما تشع ببهاء الشمس الأبديَّة وتضيء علينا بأشعَّة نعمة الروح.]

+     +     + 

 

 

 
 
 

On Line

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.com
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2013 Coptic Orthodox Church Egypt